Kembali ke Artikel
29 August 2026 Syeikh Rohimuddin Nawawi Al-Bantani

تتبع مراتب السلوك الأربع وفهمها

تتبع مراتب السلوك الأربع في التصوف وفهمها تاريخيا وعلميا

 اعداد: رحيم الدين نووي البنتني

المقدمة

إن علم الشريعة كان علما واحدا، وهو اسم واحد يجمع معنيين: الرواية والدراية، ويدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة؛ لأنه متى كان في القلب فهو باطن فيه إلى أن يجري ويظهر على الجوارح، فإذا تم ذلك فهو ظاهر. وقد يسمى البعض الشريعة بعلم الرواية بينما يسمى الحقيقة بعلم الدراية، كما يطلق البعض علم الظاهر على الشريعة وعلم الباطن على الحقيقة. فإذا جمعت بين الكلمتين (الشريعة والحقيقة) كان المقصود بهما علم الشريعة الذي يجمع بين الأعمال الظاهرة والأعمال الباطنة، وهو يقصد بذلك الجمع بين أعمال الجوارح الظاهرة كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك من العبادات، وأعمال القلوب الباطنة من الصدق والإخلاص والمحبة والمعرفة والمراقبة واليقين، إلى غير ذلك من المقامات والأحوال. ثم لما انتشر الإسلام في سائر الأقاليم، واتسعت دائرته، وتمادى العهد بالناس عن زمن النبوة ومشهد الهداية، غلب الاشتغال بظواهر الأعمال، وقلَّ الاعتناء بحقائقها وأسرار العبودية، فصار الدين عند كثيرٍ ظاهرا ورسومًا وألفاظًا، لا باطنا وأحوالًا وذوقًا. فنهض حينئذٍ رجال الله من أهل التصوف، حملةُ الشريعة والحقيقة وأربابُ البصائر، يبثّون أنوار تجاربهم، ويُرشدون الخلق إلى تزكية نفوسهم، وتصفية قلوبهم، حتى يرجعوا إلى الحقيقة. ومن هذا الواقع نشأ اصطلاح الطريقة، لتكون واسطةً بين الشريعة والحقيقة، وسُلَّمًا يرتقي به السالك إلى معرفة الله تعالى، حتى يجتمع في الدين ظاهرُه وباطنُه، وتتحقق العبودية لله في القول والعمل، والسرّ والعلن والظاهر والباطن. أولا: تطور مراتب السلوك عبر العصور ١. البذور الأولى (القرن ١-٢ هـ) في عصر النبي ﷺ والصحابة رضي الله عنهم، لم تكن هذه المراتب الأربعة قد صيغت بعدُ كمصطلحاتٍ منهجية، غير أنّ حقائقها ومضامينها كانت حاضرةً في حياتهم، ومن ذلك:  الوحي والأحكام الشرعية (الأوامر والنواهي): الشريعة.  التطبيق العملي المكثف لاتباع السنّة، والمجاهدة، والتربية: الطريقة.  المشاهدة الباطنية لحقائق الألوهية: الحقيقة.  المعرفة الروحية العميقة بالله تعالى: المعرفة. ولم تكن في ذلك العصر هذه المراتب قد نُسجت كنظامٍ مصطلحي، غير أنّها كانت ماثلة في حياة الصحابة الكرام، مثل سيّدنا أبي بكر الصديق، وسلمان الفارسي، وأهل الصُّفّة رضي الله عنهم. ٢. الصياغة الأولى: (ق ٣-٤ هـ /٩-١٠ م) في عصر الجنيد، والطوسي، والقشيري وغيرهم، كان التركيز على الشريعة والحقيقة فقط. أما الطريقة فلم تكن مصطلحًا مُمَأسسًا بعد، بل كانت تُفهم ضمنيًا على أنها المجاهدة والسيرالعملي. والإمام الجنيد يقول: (طريقنا هذا مضبوط بالكتاب والسنة). وهو لا يجعل الطريقة مرحلة مستقلة ولا يستعملها كمصطلح منهجي. إذًا المعنى موجود، لكن الاصطلاح والتقسيم المنهجي الثلاثي لم يظهر بعد. والإمام القشيري يقول في رسالته: «الشريعةُ أمرٌ بالتزام العبودية، والحقيقةُ مشاهدةُ الربوبية، فكل شريعة غير مؤيدة بالحقيقة فغير مقبول، وكل حقيقة غير مقيدة بالشريعة فغير محصول.» وقال: {إياك نعبد} حفظ للشريعة، {وإياك نستعين} إقرار بالحقيقة. لم يكن كلمة "الطريقة" مستقلا أو ممنهجا، بل كانت تستعمل بمعناها العملي أي السلوك إلى الله بالمجاهدة ٣. صياغة المراتب الثلاث (ق ٥ - ٧ هـ) في عصر الشيخ أبي مدين الغوث ظهور الطريقة كمصطلح تربوي. وهو من مريدي الشيخ عبد القادر الجيلاني، وكبار مشايخ المغرب الإسلامي. وكان له تأثير بالغ على التيارات الصوفية في المغرب والأندلس، ثم على الشاذلية لاحقًا. وله وصايا وأقوال مشهورة، نقلها تلامذته، منها تقسيمه المشهور: (الشريعة أمر بالتعبّد، والطريقة سلوك بالأعمال، والحقيقة مشاهدة الأسرار) هذا النص وما شابهه هو أقدم ظهور واضح لترتيب المراتب الثلاث بهذا الشكل المصطلحي: الشريعة = الأمر الظاهر. والطريقة = السلوك والمجاهدة، والحقيقة = الشهود والكشف. ويمكن أن نقرر تاريخيًا أن الشيخ أبا مدين الغوث هو أوّل من أدخل مصطلح “الطريقة” صراحة في ترتيب مراتب السلوك، وجعله مرحلة وسطى بين الشريعة والحقيقة بشكل منهجي مكتوب، فأسّس الترتيب الثلاثي الذي سيُبنى عليه لاحقًا الترتيب الرباعي الشهير. وهذا يسبق ابن عربي (ت ٦٣٨ هـ)، وابن عطاء الله (ت ٧٠٩ هـ)، وابن عباد الرندي (ت ٧٩٢ هـ) وغيرهم كثير. ٤. الترتيب الرباعي (ق ٨ هـ ) في القرن ٨ هـ، أضاف ابن عباد الرندي الشاذلي مرتبة “المعرفة” كآخر ثمرة، فصار الترتيب: الشريعة – الطريقة – الحقيقة – المعرفة. ثم شرحه لاحقًا ابن عجيبة الحسني المغربي، وغيره من المشايخ الصوفية المتأخرين إلى يومنا هذا. ثانيا: المراتب الأربع في ميزان العلم الصوفي ١. علم الشريعة: هو علم أحكام الله الظاهرة، أي ما يتعلق بالجوارح من العبادات والمعاملات، مثل: الصلاة، الزكاة، الصيام، البيع، الزواج، القضاء، وغيرها. وموضوعه: العمل الظاهر. وطريق تحصيله: التعلّم من القرآن والسنة على أيدي الفقهاء. وغايته: استقامة الجوارح وامتثال الأمر والنهي. مثال: تعلم كيف تصلي، وتصوم، وتؤدي الحقوق كما أمر الله. ٢. علم الطريقة: هو علم تهذيب النفس وتزكيتها، أي الطريق العملي للوصول إلى الله عبر المجاهدة والمراقبة. وموضوعه: المقامات والأحوال القلبية. وطريق تحصيله: التربية والسلوك تحت شيخٍ مربٍّ عارفٍ بالله. وغايته: تطهير القلب من الصفات المذمومة وتحليته بالمحمودة. مثال: مجاهدة الرياء، الحسد، الغضب، حتى تصفو النية والإخلاص. ٣. علم الحقيقة: هو علم مشاهدة أسرار الربوبية في المخلوقات، أي معرفة حقائق الأشياء كما هي عند الله. وموضوعه: أنوار التوحيد وكشف المعاني الإلهية. وطريق تحصيله: الذوق والمشاهدة بعد صفاء النفس والقلب. وغايته: شهود أن الفاعل الحقيقي هو الله وحده. مثال: أن يرى العارف في كل فعلٍ قدرة الله لا الأسباب. ٤. علم المعرفة: هو العلم بالله نفسه، وهو أرفع العلوم، إذ هو ثمرة الشريعة والطريقة والحقيقة جميعًا. وموضوعه: الذات الإلهية وأسماؤها وصفاتها وآثارها. وطريق تحصيله: الفناء في الله والبقاء به. وغايته: الوصول إلى مقام العارفين الذين “يعبدون الله كأنهم يرونه”. مثال: معرفة الله معرفة شهودية تثمر المحبة والخشية والأنس الدائم به. الخلاصة المرتبة المجال موضوع العلم الثمرة الشريعة ظاهر الجوارح الأوامر والنواهي الاستقامة الطريقة النفس التزكية والسلوك الصفاء الحقيقة سرّ القلب التوحيد والمشاهدة الشهود المعرفة روح الروح معرفة الله بذاته الفناء والبقاء ثالثا: الاصطلاحات المرادفة في التراث الصوفي توجد اصطلاحات مرادفة دارت حول هذه المراتب الأربع، مما ورد في كتب القوم من القرن الثالث إلى هذا القرن الحاضر الهجري، واختلفت ألفاظهم واتحد معناهم: الانتقال من ظاهر العبادة إلى باطن المشاهدة، ثم إلى شهود الحق ومعرفته ذوقًا وحضورًا. وضعت هذه الألفاظ مجموعة ها هنا، ليكون سبيل إدراكها أقرب على المريدين، وفهمها أيسر على النُّظار في طريقتهم. الشريعة الطريقة الحقيقة المعرفة الإسلام الإيمان الإحسان التحقيق الامتثال الظاهر التزكية الباطنة شهود السرّ دوام الوصال التوبة المجاهدة المشاهدة الفناء والبقاء علم اليقين عين اليقين حقّ اليقين تحقيق اليقين القشر اللبّ الثمرة ذوق الثمرة الأدب مع الخلق الأدب مع النفس الأدب مع الحق الثبات في الأدب مع الحق طاعة الله القرب من الله شهود الله البقاء بالله قولك لله فعلك لله وجودك بالله فناؤك في الله المحجوب بالنفس المتطهّر بالمجاهدة المنوَّر بالمشاهدة المستغرق في التوحيد علم الأحكام علم السلوك علم الأسرار علم الأنوار العمل بالأمر الإخلاص في العمل شهود الآمر فيه البقاء مع الآمر بعده الظاهر الباطن الجمع بينهما الكمال في الجمع تهذيب الجوارح تزكية النفس تصفية السرّ تجريد الروح نور الطاعة نور المجاهدة نور المشاهدة نور التوحيد باب الدخول السير في الطريق الوصول إلى الحضرة الثبات في الحضرة التعليم التهذيب الكشف التمكين التقوى الاستقامة تحقيق العبودية الفناء والبقاء علم الرسوم علم القلوب علم الأسرار علم الأنوار رابعا: اختلاف الترتيب عند المتأخرين هناك فكرة ثانية عن هذه المراتب، أي ترتيب المراتب على النحو: الشريعة - الطريقة - المعرفة - الحقيقة ليست المشهورة عند جمهور الصوفية، لكنها ظهرت عند بعض المتصوفة المتأخرين لأسباب منهجية وتربوية، حيث ميّزوا بين: • المعرفة: إدراك ذوقي أولي يحصل للسالك بعد مجاهدات الطريق (مرحلة “أنوار وبوادر”). • الحقيقة: هي الكمال الأعلى، وهو الشهود الكامل للحق بعد ترسّخ المعرفة وتكمّلها. من أبرز من مال إلى هذا الترتيب: ١. عبد الغني النابلسي (ت 1143هـ) في بعض رسائله يذكر أن المعرفة تُطلق على ما يلوح للسالك أولاً من إدراك أنوار الحقائق، ثم إذا كمل الشهود صارت “الحقيقة” التامة. ٢. بعض شراح الحكم العطائية المتأخرين. أشاروا إلى أن “المعرفة” قد تسبق “الحقيقة” بالاصطلاح، لأن المعرفة تبدأ من أول الكشف (المعارف الأولية)، بينما الحقيقة مقام الاستقرار في الشهود. ٣. المدرسة المتأخرة في المغرب والأندلس. خصوصاً في القرنين 11–12هـ، حيث وجد عند بعض تلامذة الزاوية الدرقاوية والتيجانية استعمال يجعل “المعرفة” وسطاً، و”الحقيقة” غاية الغايات. إذن: • الترتيب الأول (الأشهر): عند الجنيد والسراج والقشيري والغزالي وعبد القادر الجيلاني وأي مدين الغوث وابن عجيبة وغيرهم = الحقيقة قبل المعرفة. • الترتيب الثاني (المتأخر): عند بعض المغاربة والشاميين مثل النابلسي وبعض شراح العطائية = المعرفة قبل الحقيقة، باعتبارها معارف أولية تسبق شهود الحقيقة التامة. لخاتمة إنَّ مراتبَ السلوك الأربع في طريق القوم إنما هي مراحل متتابعة، ودرجات مترتبة، لا يتمّ بعضها إلا ببعض، ولا يُنال أعلاها إلا بعد تحقق أدناها. فالشريعةُ هي الأساس الذي تُبنى عليه الطريقة، والطريقةُ هي الجسرُ الموصل إلى الحقيقة، والحقيقةُ هي البابُ المفتوح على ساحة المعرفة، والمعرفةُ هي الغاية التي بها تمام العبودية وكمال الربوبية في شهود العبد لربه. فمن استقام في الشريعة صَحَّتْ له الطريقة، ومن سلك الطريقة وداوم على المجاهدة صَفَتْ له الحقيقة، ومن أشرقت عليه أنوار الحقيقة فُتِحَت له أبواب المعرفة، فصار من العارفين بالله، الذاكرين له قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم، الذين عرفوا الله بالله، وعبدوه على اليقين والمشاهدة، لا على التقليد والعادة. وبذلك يَكمُلُ الدينُ ظاهرًا وباطنًا، علمًا وعملاً، سلوكًا وشهودًا، وتتحقّقُ في العبد عبوديةُ {إيّاك نعبدُ وإيّاك نستعين}، فيكون بالله ولله وفي الله، حتى يُقال فيه كما قيل في أوليائه: «عبادٌ إذا رُؤوا ذُكِر الله، وإذا تكلّموا أناروا القلوب بذكر الله.» نسأل الله تعالى أن يجعلنا من السائرين على نهجهم، المتحققين بمراتبهم، الواصلين إلى حضرته بفضله، والثابتين في معرفته برحمته، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا. والله الموفق إلى أقوم الطريق