التربية والإرشاد في الطريقة الصوفية: بين المنهج والخصائص والملامح اعداد: رحيم الدين نووي البنتني مقدمة إذا أُطلق التصوف الإسلامي فإنه يشمل معنيين متلازمين: الأول: هو التصوف بمعنى تزكية النفس، والتربية الروحية، وإصلاح القلب، وتصفية الأخلاق، وتحقيق العبودية لله تعالى ظاهراً وباطناً، مع الزهد في الدنيا والاجتهاد في الطاعة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله، حتى يفنى العارف عن حظوظ نفسه ولا يشهد إلا الله تعالى. وهذا هو ما يسمى بعلم المعاملة والطريق إلى الله، وعماده تصفية القلب والتمسك بالكتاب والسنة. ولذلك قال الإمام أبو القاسم الجنيد: (علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة) ، وقال أبو الحسن الشاذلي: (التصوف تدريب النفس على العبودية وردها لأحكام الربوبية) . فحقيقة التصوف الشرعي هي تحقق العبد بكمال عبوديته لله تعالى كما أمر سبحانه. والثاني: هو ما يتعلق بالأذواق والمواجيد والكشوفات التي تظهر للسالكين بعد تزكية نفوسهم وترقيهم في مقامات الإيمان والإحسان، وهو ما يسمى بعلم المكاشفة والحقيقة. وهذا أمر ذوقي شخصي لا يمكن أن تحيط به العبارات ولا يجوز أن يُجعل دليلاً شرعياً أو حكماً عاماً، لأن حقيقته فوق حدود الألفاظ. ولهذا قال بعض أهل التصوف: (علمنا هذا إشارة، فإذا صار عبارة فني). فالواجب على السالك أن يتمسك أولاً بالمعنى الشرعي العملي للتصوف من التزام الكتاب والسنة وتطهير القلب، فإذا صدق في سيره كشف الله له من أسرار المعنى الثاني بقدر ما يوافق الشرع ويزيده معرفة بالله تعالى. أولا: كيف نتصوف: أما كيف نتصوف: فالتصوف هو برنامج تربوي يهتم بتطهير النفس من كل أمراضها، التي تحجب الإنسان عن الله تبارك تعالى، وتقويم انحرافاته النفسية والسلوكية فيما يتعلق بعلاقة الإنسان مع الله، ومع الآخرين، ومع الذات . وهو السلوك التربوي الروحي الذي يرقى به المسلم إلى مرتبة الإحسان التي عرفها النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)) أو بالاصطلاح الصوفي المشاهدة والمراقبة. والتصوف له مدارسه التربوية التي يتم فيها تطبيق ذلك البرنامج في التطهير والتقويم، وله مباحثه الرئيسية التي يفرض علينا أن نعلمها، وله مناهجه العملية التي يلزم علينا أن ننهجها، وله مراحله السلوكية التي يجب علينا أن نسلكها. وله ثمراته الروحية التي نقتطفها. فلنبدأ من العلم والعمل به لندرك الحكمة، ومن البداية لنصل إلى النهاية، و نتمسك بالأصول لننال الوصول. فالواجب على من يريد أن يتصوف أن يستقى هذا العلم من منابعه، ويتتلمذ على أيدي رجاله، وأن يشرب من مشربهم، وأن يسلك المراحل التي سلكوها، حتى يبلغ ما بلغوه، وينال الوصول، ويصل إلى الغاية؛ لأن هذا العلم لا يؤخذ من الأوراق وإنما يؤخذ من أهل الأذواق، ولا ينال بالقيل والقال وإنما يؤخذ من خدمة الرجال وصحبة أهل الكمال. قال ابن عطاء الله السكندري رضي الله عنه: (وينبغي لمن عزم على الاسترشاد، وسلوك طريق الرشاد، أن يبحث عن شيخ من أهل التحقيق، سالك للطريق، تارك لهواه، راسخ القدم في خدمة مولاه، فإذا وجده فليمتثل ما أمر، ولينته عما نهى عنه) . والطريقة الصوفية هي المدرسة التي يتم فيها ذلك البرنامج لتزكية النفوس، والمنهج الخاص بالتربية والسلوك، والمنظمة لمسيرة المريد. وهي السير المختص بالمتصوفة السالكين إلى الله من قطع المنازل والترقي في المقامات . ويجب على هذه المدرسة أن تتصف بالتمسك بالكتاب والسنة، والالتزام بالعمل بمقتضى الشريعة، ليصل إلى الحقيقة. وكل ما خالف الكتاب والسنة، فهو ليس من الطريقة، بل نرفضه وننهى عنه؛ وكل ما انفصل عن تعاليم الشريعة، فلا تعد من الطريقة . ويجب على الشيخ المربي أن يكون كاملا في علوم الشريعة والطريقة والحقيقة، بالغا إلى حد التكميل فيها لعلمه بآفات النفوس وأمراضها وأدوائها، ومعرفته بدوائها وقدرته على شفائها. كما يجب على المريد في الطريقة أن يكون على صدق، ليصح له البناء على أصل صحيح، وعلى اعتقاد سليم بينه وبين الله تعالى، لأنه الأساس الأول لنجاح المسيرة والوصول. والطريقة التي يستمسك أهلها بالشرع هي طريقة الشريعة وطريقة الرحمن. وهي عبارة عن مراسم الله تعالى وأحكامه التكليفية المشروعة التي لا رخصة فيها( ). وأما الطريقة التي يتبع أهلها البدعة والمنكرات والجهالة، فهي طريقة الهوى والشيطان. فطريق الصوفية واحدة، وإن تعددت أسماؤها واختلفت مناهجها وأسلوبها، فكلها توصل إلى غرض واحد، وغاية واحدة. غير أن الفرق بينها أن وجدت إحداها طريقة مستقيمة مستوية مستنيرة مأمونة لا عوج فيها وهي قريبة الغاية، ووجد الآخر بما اندس فيها مما ليس منها اصلا، الطريق الموحش والمبهم والمحفوف بالمخاطر( ). وبذلك يتبين أن الطريقة الصوفية ليست مجرد شعارات أو مظاهر شكلية، وإنما هي منهج تربوي وروحي متكامل يقوم على تزكية النفوس وترقيتها في مدارج الإحسان والسلوك إلى الله تعالى. وإذا كانت حقيقة الطريقة تتمثل في معاني التربية والتزكية والسير إلى الله، فإن أبرز ملامحها الظاهرة التي تنتظم بها مسيرتها هي: شيخ كامل مؤهل للتربية والإرشاد، ومريد صادق العزيمة في طلب الوصول إلى الله تعالى، وبيعة أو عهد شرعي يربط بينهما على أساس الصحبة والطاعة في المعروف والمحبة والتزكية. ثانيا: ملامح الطريق الصوفي الملامح هي المظاهر والعلامات البارزة التي يظهر بها الشيء ويعرف من خلالها. والطريقة الصوفية تقوم على ثلاثة أركان رئيسة: الشيخ، والمريد، والبيعة. ١. شيخ الطريقة. هو الإمام القدوة، العالم بالشريعة والعقيدة، العارف بالله تعالى وبمسالك السلوك إليه، القادر على تربية النفوس وتزكيتها وإرشاد المريدين إلى مقامات الإسلام والإيمان والإحسان. وهو وارث للوظيفة النبوية في الدعوة والتربية والتعليم، ولذلك تعد رتبة المشيخة من أعلى الرتب عند الصوفية. ويشترط في الشيخ أربعة أمور أساسية : ١. عالم بالقرآن والسنة، فقيه في علوم الشريعة، متحقق بعقيدة أهل السنة. ٢. عارف بالله، بأن يتحقق بعقيدة أهل السنة والجماعة عملا وذوقا وكشفا، بعد أن عرفها علما ودراية. ٣. خبير بوسائل التزكية والتربية، بأن يكون قد سلك الطريق وعرف أمراض النفوس وطرق علاجها. ٤. مأذون بالإرشاد من قبل مرشدين مأذونين مؤهلين يتصل سندهم بالتسلسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ومن فوائد الشيخ أنه يختصر الطريق على السالك، ويجنبه الخطأ في الفهم والسلوك، ويورثه الأدب والنور وحسن التربية، ويحفظه من العجب والغرور، كما أن الاجتماع حوله في مجالس العلم والذكر يحقق مصالح دينية وتربوية عظيمة . ٢. المريد. هو من صدقت إرادته في سلوك طريق القوم تحت إشراف الشيخ المربي. وحقيقة الإرادة عند الصوفية هي تجريد النفس من أهوائها حتى توافق مراد الله تعالى . وأول ما يحتاج إليه المريد الصدق والإخلاص والاجتهاد في الطاعة، إذ لا تصح البداية إلا على أساس صحيح. ولما كان التصوف قائماً على الأدب، وجب على المريد التحلي بآدابه مع شيخه وإخوانه. ومن أهم آدابه مع شيخه : امتثال أوامره واجتناب نواهيه في المعروف، والتوقير وحسن الجلوس بين يديه، وخدمته بحسب الاستطاعة، والمحافظة على حضور مجالسه، واعتقاد أهليته للتربية والإرشاد، وتعظيمه وحفظ حرمته، والتجرد من العجب بعلمه وعمله. ومن آدابه مع إخوانه : حفظ حرمتهم وعدم غيبتهم، ونصحهم وإعانتهم، والتواضع لهم وخدمتهم، وقبول أعذارهم والدفاع عنهم، وإحسان الظن بهم. والمريد قسمان : مريد حقيقي: صادق العزم، ملتزم بشروط الصحبة والسلوك وتحمل مشاق الطريق. ومريد مجازي: ينتسب إلى القوم ويتبرك بهم دون التزام كامل بمقتضيات السلوك. ٣. البيعة . هي العهد الذي يربط الشيخ بالمريد، وهي ميثاق على طاعة الله تعالى والسير في طريق التزكية والتقوى. وكل بيعة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هي تجديد لمعنى بيعته الشريفة والالتزام بما دعت إليه من الإيمان والاستقامة. والبيعة عقد أدبي وتربوي يلتزم فيه الطرفان بحقوق الصحبة والإرشاد. وعادةً يسبقها التطهر والتوجه إلى الله تعالى، ثم المصافحة وتلاوة آيات العهد والميثاق والدعاء للمريد بالقبول والتوفيق والسير إلى الله تعالى. وبذلك تتكامل أركان الطريقة الصوفية الثلاثة: شيخٌ مرشد، ومريدٌ صادق، وبيعةٌ تربط بينهما على أساس الإيمان والتزكية والسير إلى الله تعالى. ثالثا: المنهج العملي للتصوف المنهج العملي للتصوف هو أصول التربية الروحية التي يطبقها رجال الصوفية في تربية مريديهم، والأخذ بيدهم في سلوك الطريق للوصول إلى رضاء الله تعالى ومعرفته. وما هذا المنهج إلا تطبيقا لكتاب الله تعالى، واقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الكرام رضوان الله عليهم. وشيوخ الصوفية يرسمون لمريديهم المنهج العملي الذي يمكنهم به أن يتحققوا بأركان الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، أو الشريعة والطريقة والحقيقة. وهم في هذا المنهج لم يبتدعوا ولم يبتكروا، ولكنهم ساروا متبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وأخلاقا. لأن خصائص الصوفي متميزة عن غيره من الناس في الوراثة النبوية، كما ذكر في شرح المباحث الأصلية: الناس ثلاثة: عالم، وعابد، وعارف، وكلهم قد أخذ حظا من الوراثة النبوية. فالعالم: ورث أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، علما وتعليما بشرط إخلاصه، وإلا خرج من الوراثة بالكلية. والعابد: ورث أفعاله صلى الله عليه وسلم؛ من صيام وقيام ومجاهدة. والصوفي ورث العلم والعمل، وزاد عليهما بوارثة الأخلاق التي كان عليها باطنه صلى الله عليه وسلم، من زهد وورع، وخوف ورجاء، وصبر وحلم، ومحبة ومعرفة..( ). أما منهجهم المتبع فهو عبارة عن مجموعة الركائز والأصول التي يعتمدها الشيخ المربي في تهيئة المريد وإعداده ليكون صالحا لقبول المدد والفيض الرحماني والفتح الرباني المتوارث بالسند المتصل من قلب الشيخ إلى شيخه حتى ينتهي الى النبي صلى الله عليه وسلم. ومن أهم هذه الأصول: الصحبة والذكر والمجاهدة والخلوة والمذاكرة وغيرها من الأصول التربوية. وهذه الأصول لا تعد في نفسها سبيلا مباشرا للدخول الى حضرة الرب والشهود؛ وإنما هي للتزكي والتطهر عن معلولات النفس المانعة من الدخول (التخلي) لكي يكون المريد قابلا لورود الفتح، وإنما دخول المريد إلى حضرة الله بحلول مدد وفيض شيخه الوارث المحمدي من المقامات الروحية (التحلي)، حتي يفتح بالوصول والشهود (التجلى). ولذلك كانت الركيزة الأعظم والأهم في هذا المنهج هي الشيخ المربي أي صحبته . ١- الصحبة . وهي عند الصوفية علاقةٌ روحيةٌ وتربويةٌ بين المريد وشيخه المربي، تقوم على المحبة والاقتداء، وغايتها تزكية النفس وتحقيق العبودية لله تعالى والوصول إلى المعرفة به. فالمريد هو الطالب للسلوك، والشيخ هو العارف المأذون في التربية والإرشاد. وقد أجمع أهل التصوف على أنَّ الصُّحبة هي أصل الطريق وعماده العظيم، بل هي الطريقةُ كلُّها عند أهل التحقيق؛ إذ ليس المقصودُ من السلوك إلا التخلُّقَ بأخلاق القوم والتأدبَ بآدابهم والتشرُّبَ من أحوالهم، وذلك إنما يُنال بالملازمة والمجالسة لا بمجرد القراءة والنظر. فالصُّحبةُ الصادقةُ تجمع من معاني التربية والتزكية والترقية ما تتفرق في غيرها، ومن رزقه الله حسنَ الصحبة فقد أعطي مفتاح الطريق، ومن فاته نصيبها فاته من الخير بقدر ما فاته منها. ولذلك أكد أئمة التصوف كابن عطاء الله، وابن عجيبة، والغزالي، وأبي علي الثقفي، ضرورةَ ملازمة الشيخ الكامل؛ لأن هذا العلم مبنيٌّ على الذوق والتربية والممارسة، ولا يُنال بمجرد القراءة والنظر. ٢- الذكر والورد . يُعدّ الذكر من أعظم أركان الطريق الصوفي وأقواها أثراً في تزكية النفس وتصفية القلب، حتى عُدَّ عمدة الطريق إلى الله تعالى. والذكر في اللغة رفع الغفلة والنسيان، وفي الاصطلاح ما يجري على اللسان والقلب من تسبيحٍ وتهليلٍ وتحميدٍ ودعاء. وينقسم إلى ذكر العامة: طلباً للأجر والثواب مع بقاء كثير من الصفات المذمومة. وذكر الخاصة: ذكرٌ على هيئة مخصوصة يقصد به الحضور مع الله وتطهير النفس والتحلي بالأخلاق الكريمة. ويرى الصوفية أن الذكر جلاء القلوب، ومفتاح الفتح والأنوار، وسبب حصول الأخلاق المحمدية، وأن الغفلة أصل الهموم والأحزان. أما الورد فهو ما يلتزمه المريد من أذكار وأدعية في أوقات محددة، غالباً صباحاً ومساءً، بإرشاد الشيخ، للمداومة على ذكر الله تعالى. وقد استدل الصوفية بأحاديث كثيرة على فضل الجلوس للذكر بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، وهو ما رجحه عدد من الفقهاء. ويتكون الورد غالباً من: الاستغفار مائة مرة؛ تطهيراً للنفس وتجديداً للتوبة. الصلاة على النبي ﷺ مائة مرة؛ تعظيماً له وتقويةً للمحبة والارتباط به. كلمة التوحيد مائة مرة؛ تحقيقاً للتوحيد وتجديداً للإيمان وتطهيراً للقلب من التعلقات. ٣- المجاهدة. هي بذل الوسع في مخالفة النفس والهوى والشيطان ابتغاء مرضاة الله تعالى، وهي من لوازم تزكية النفس التي هي فرض عين، إذ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد عرّفها العلماء بأنها حمل النفس على مخالفة هواها، وبذلها فيما يرضي الله تعالى. أما وسائل المجاهدة فهي : أ- الرياضة. وهي ترويض النفس وكسر سلطان الشهوة والعادة، وأصولها أربعة: الجوع (قلة الطعام): للحد من الشهوات وتقوية الإرادة. والصمت (قلة الكلام): لحفظ اللسان من الآفات. والسهر (قلة النوم): للإقبال على العبادة والذكر. والخلوة أو قلة المخالطة: لتصفية القلب وضبط النفس. وهذه الأركان متلازمة، فصلاح أحدها يعين على صلاح الآخر، وبها يكتسب السالك القدرة على التحكم في نفسه وأهوائها. ب- المخالفة. وهي مخالفة هوى النفس وشهواتها، وعدم الانقياد لرغباتها، وحملها على ما يوافق الشرع وإن شق عليها. وهي من أعظم أبواب العبودية، إذ بها تتحول الطاعات من مشقة إلى لذة، وتضعف سيطرة الأهواء. ج- المحاسبة والمراقبة. هي مراجعة النفس وتقويم أعمالها قبل الحساب بين يدي الله تعالى، وهي وسيلة لحفظ السالك من الغفلة والتقصير، وتنمية الشعور بالمسؤولية والإخلاص. أما المراقبة فهي استحضار اطلاع الله تعالى على العبد في جميع أحواله، حتى يحذر ما لا يرضي الله، وهي ثمرة المحاسبة وكمال المجاهدة. د- قطع المألوفات. وهو التحرر من سلطان العادات التي تستعبد النفس وتضعف الهمة، والوقوف مع أوامر الشرع لا مع رغبات النفس. وبه يتحرر السالك من عبودية العادة، فتصبح عاداته خاضعةً لطاعة الله تعالى. ٤- المذاكرة . هي رجوع المريد إلى مرشده بالسؤال والاستشارة فيما يتعلق بالعقائد والعبادات والمعاملات، أو فيما يعرض له من خواطر وأحوال نفسية وروحية قد تلتبس عليه، أو فيما يعانيه من أمراض القلوب كالكبر والحسد وحب الجاه والرياء، طلباً للعلاج والتوجيه. كما يعرض عليه ما يرد على قلبه من واردات إيمانية وفهوم قرآنية وأحوال روحية؛ للتحقق من صحتها وسلامة مسيره. وتعد المذاكرة ركناً أساسياً من أركان الطريق؛ لأنها: تعين المريد على تجاوز العقبات، وتوثق الصلة بينه وبين شيخه، وتورثه العلم والحال والمعرفة، وتمثل تطبيقاً عملياً لمبدأ الشورى والاستفادة من أهل الخبرة. فالمريد مع شيخه كالمريض مع طبيبه، يرجع إليه في تشخيص العلل وبيان العلاج، تحقيقاً لقوله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: ٤٣]. وأما ما سوى تلك الأصول المتقدمة فلا يُعَدُّ في الغالب من صميم المنهج العملي الأساسي الذي يقوم عليه بناء السلوك الصوفي، وإنما هو من الوسائل الفرعية والبرامج التكميلية والأساليب المساعدة التي تختلف صورها باختلاف الأزمنة والأمكنة وأحوال المشايخ والمريدين، وتُتَّخذ لخدمة المقاصد التربوية وتحقيق معاني التزكية والترقية الروحية، ومن امثالها: الحرقة، والسماع والإنشاد والمدائح النبوية، والاحتفال بالمولد الشريف، والاجتماع على الأذكار الدورية، وقراءة الأحزاب والأوراد والرواتب، ونحو ذلك من الممارسات الشائعة في كثير من الطرق الصوفية. ولذلك قد توجد بعض هذه الوسائل في طريقة دون أخرى، وقد يشتد الاعتناء بها في بيئة أو عصر دون غيرهما، من غير أن يؤثر ذلك في الأصول والمناهج التربوية التي يقوم عليها التصوف السلوكي كالصحبة والذكر والمجاهدة والمراقبة وسائر أركان التربية الروحية. ومع تعاقب الأجيال واستقرار الأعراف الخاصة بكل طريقة، أصبحت هذه الوسائل والبرامج من أبرز الخصائص التي تُعرَف بها الطرق الصوفية وتتميّز بها فيما بينها. رابعا: خصائص الطرق الصوفية الخصائص هي الصفات المميزة التي تُعّرف حقيقة الشيء وتُفصِله عما سواه. فبعد الملامح الأساسية للطريقة الصوفية من الشيخ والمريد والبيعة، ظهرت عبر التاريخ جملة من الخصائص والوسائل العملية التي اشتهرت بها الطرق الصوفية، ومن أهمها: ١. لبس الخرقة . الخرقة رمز للصحبة والتربية الصوفية، يلبسها الشيخ للمريد بعد قبوله في سلك التربية والسلوك. وهي تدل على العهد والمبايعة، وعلى دخول المريد في الصحبة وتسليمه نفسه لتوجيه شيخه في أمور التربية والسلوك. ويتم إلباس الخرقة ضمن آداب مخصوصة، حيث يتطهر الشيخ والمريد، وتقرأ الفاتحة، ثم يلبس الشيخ المريد الخرقة متصلاً بسلسلة المشايخ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. والخرقة نوعان: خرقة التبرك: تعطى لمن يريد الانتساب إلى القوم والتبرك بهم دون التزام كامل بشروط السلوك. خرقة الإرادة: وهي للمريد الصادق الراغب في سلوك الطريق والتزام آدابه وشروطه. ويرى الصوفية أن أصل الخرقة له شواهد من سيرة السلف والصحابة، غير أنهم لا يجعلونها ركناً لازماً، ولذلك وجد عبر التاريخ مشايخ كثيرون ربوا المريدين وأرشدوهم من غير إلباس الخرقة، فالأمر عندهم من الوسائل لا من الأصول. ٢. الذكر والأحزاب والأوراد . يعد الذكر من أهم العبادات في التصوف، وهو ذكر الله تعالى بالألفاظ المأثورة أو بأسمائه الحسنى، ويكون سراً أو جهراً، فردياً أو جماعياً، مطلقاً أو مقيداً بزمان ومكان. ومن أشهر صوره: الحزب وهو مجموعة من الأدعية والأذكار والمناجاة والاستغفار يرتبها أحد المشايخ لتكون برنامجاً روحياً لأتباعه، والغرض منها دوام حضور القلب مع الله تعالى ومقاومة الغفلة عنه. الورد. وهو الذكر أو الدعاء المرتبط بوقت معين كأوراد الصباح والمساء وما بعد الصلوات. الراتب. وهو ورد جماعي مرتب يلتزم به أهل الطريقة أو أتباع شيخ معين بصورة دورية. ويرى الصوفية أن الأحزاب والأوراد تعبر عن تجارب أصحابها الروحية ومعارفهم وأذواقهم، وأن مشروعيتها تستند إلى إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للاجتهاد في الدعاء ما دام لا يخالف الشرع. ومع ذلك تبقى أوراد القرآن الكريم والأذكار النبوية هي الأصل والأفضل. ٣. الإنشاد والسماع. السماع عند الصوفية هو الاستماع إلى الشعر والإنشاد والأصوات الحسنة التي تحرك القلوب إلى معاني الخير والذكر والمحبة الإلهية. ولذلك يرى أئمة الصوفية أن السماع هو استجمام من تعب الوقت، وتنفس لأرباب الأحوال، واستحضار الأسرار لذوى الشواغل . وينقسم السماع إلى: سماع بالطبع، وسماع بالحال، وسماع بالحق . كما قسمه العلماء إلى: حرام إذا أثار الشهوات والمعاصي، ومباح إذا قصد به الترويح المباح، ومندوب إذا زاد المحبة والشوق إلى الله تعالى . وقد اختلف العلماء فيه، بينما أجازه كثير من المحققين بشروط، منها: أن يكون في مجلس خاص، وأن يكون مضمون الإنشاد مشروعاً، وألا يقترن بمحرمات، وأن يكون مقروناً بالأدب والوقار، وألا يؤدي إلى اللهو أو الفتنة. واستدل المجيزون بأحاديث الشعر والحداء وإنشاد الصحابة بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، وبأقوال جماعة من العلماء كالإمام الشافعي والنووي وغيرهما. ويرى الصوفية أن السماع وسيلة تربوية لتحريك القلوب وإيقاظ معاني الشوق والمحبة والذكر، لا وسيلة للهو والعبث. ٤. الموالد. يقصد بالموالد الاجتماعات التي تقام لذكر سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أو أهل بيته أو الأولياء والعلماء والصالحين (حفلة الحول وقراءة مناقب الأولياء)، بقصد التذكير بسيرتهم والاقتداء بهم وتجديد معاني الإيمان والتعاون على البر والتقوى . ويرى المؤيدون للموالد أن الأصل فيها الإباحة ما دامت خالية من المخالفات الشرعية، وأنها وسيلة للدعوة والتعليم والوعظ وإحياء ذكر الصالحين، مستدلين بعمومات النصوص الداعية إلى التذكر والاعتبار وذكر سير الأنبياء والصالحين. وقد اهتمت الطرق الصوفية بالموالد وجعلتها من وسائلها الدعوية والتربوية، لما فيها من تعليم السيرة، وربط الناس بالقدوات الصالحة، وتقوية الروابط الاجتماعية والدينية . غير أن كثيراً من العلماء والمتصوفة أنفسهم انتقدوا ما قد يقع في بعض الموالد من مخالفات أو مظاهر لا تنسجم مع مقاصدها الأصلية، مؤكدين أن الخلل في بعض الممارسات لا في أصل فكرة المولد نفسها. وخلاصة الأمر أن الخرقة، والأذكار والأوراد، والسماع، والموالد ليست من الأركان المؤسسة للطريقة الصوفية، وإنما هي وسائل وأساليب تربوية ودعوية ظهرت عبر التاريخ، واختلفت صورها بين الطرق، حتى أصبحت من أبرز خصائصها وملامحها المميزة. الخاتمة إن الطريقة الصوفية في حقيقتها ليست سوى منهجٍ تربويٍّ إيمانيٍّ غايته تزكية النفوس، وتطهير القلوب، وترقية السالكين في مدارج الإسلام والإيمان والإحسان، على هدي الكتاب والسنة، واقتفاء آثار النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان. وهي بهذا الاعتبار ليست علماً نظرياً مجرداً، ولا مجموعة من الشعائر والرسوم الظاهرة، وإنما هي سلوك عملي وتربية روحية متكاملة، تقوم على صحبة الشيخ المربي، وصدق المريد، والالتزام بآداب الطريق وأحكام الشريعة، حتى يبلغ العبد مقام العبودية الخالصة لله تعالى. وقد تبين من خلال هذا العرض أن للطرق الصوفية منهجا عمليا كأركان أساسية ثابتة تقوم عليها مسيرتها التربوية، كما أن لها خصائص ووسائل عملية ظهرت عبر التاريخ واختلفت صورها باختلاف البيئات والأزمنة والأحوال، كالأوراد والأحزاب والخرقة والسماع والموالد، والحول وقرءاة مناقب الأولياء، وهي وسائل تابعة للمقاصد لا مقاصد في ذاتها، تدور مع المصلحة الشرعية وجوداً وعدماً. ومن ثم فإن الميزان الذي توزن به جميع الأعمال والأحوال هو موافقتها للكتاب والسنة، فما وافقهما فهو من الطريق إلى الله تعالى، وما خالفهما فليس من التصوف في شيء. ونسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وقارئه، وأن يرزقنا صدق التوجه إليه، وحسن الأدب معه، وأن يسلك بنا سبيل أوليائه الصالحين، ويحققنا بحقائق الإيمان والإحسان، ويجمعنا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا على سنته، وفي الآخرة في جنته، والحمد لله رب العالمين. والله الموفق إلى أقوم الطريق